الاثنين، 25 أبريل، 2011

مواصفات المسؤول المثالى

مواصفات المسؤول المثالى

يوسف بطرس غالى

فى إحدى المناسبات العامة بعد انهيار الاتحاد السوفيتى .. تقابل ضابطٌ سابقٌ فى جهاز المخابرات السوفيتى KGB  مع أحد أهم قادة الحزب الشيوعى السوفيتى والذى كان يُعدُ أحد أهم المسئولين فى البلاد عن اختيار وتعيين الأشخاص فى أهم الوظائف القيادية فى الدولة , حيث قال له الضابط لقد كنت فى فترةٍ من الفترات أحد الأشخاص المُشتبه بهم .. فكان ذلك سبباً فى مراقبتنا لك وتتبع تحركاتك واتصالاتك للتأكد من كونك عميلاً تعمل لحساب الولايات المتحدة الأمريكية , وعندما تأكدنا أن شكوكنا لم تكن فى محلها .. رفعنا عنك المراقبة.


وفى مفاجأة غير متوقعة رد المسؤول الكبير: ولكنى بالفعل كنت عميلاً للولايات المتحدة.

سأل الضابط فى دهشة : وكيف كان ذلك ؟

قال المسؤول الكبير : " الأمر ببساطة أنى لم أكن مقتنعاً بالشيوعية على الاطلاق , ولكنى كنت أتعايش معها متمنياً أن أرى اليوم الذى تزول فيه , وقد توافق شعورى هذا برغبةٍ قويةٍ لدى الأمريكان فى القضاء على الشيوعية إبّان الحرب الباردة بين البلدين , لذا فلم يكن الأمر يحتاج إلى أكثر من مقابلة واحدة معهم والتى تلقيت من خلالها التعليمات الخاصة بمهمتى الاستخباراتية ".

ثم يسترسل المسؤول الكبير فى سرد قصته فيقول : " وكان دورى الأساسى ينحصر فى شىءٍ فى غاية الأهمية والسهولة فى نفس الوقت , وهو أن أختار الشخص الأسوأ لشغل الوظائف القيادية , وأنه إذا عُرض علىَّ عددٌ من المرشحين فلا بد أن أختار من بينهم الأقل كفاءة , وهكذا سار الحال لسنواتٍ عديدة حتى تحقق المراد وانهار الإتحاد السوفيتى بأكمله ".

ربما غابت عنى بعض تفاصيل القصة وخباياها .. ولكنها على أية حال قصةٌ حقيقيةٌ تُثير عدداً من التساؤلات التى تكاد أن تذهب بعقلى خاصةً عندما أجلس مع نفسى وأتأمل حال المسؤولين فى بلادنا متفكراً فى المعايير التى تم اختيارهم على أساسها.

أيُعقل أن تكون هذه القصة تتكرر عندنا بشكلٍ أو بآخر ؟  

فإذا كان قد تم اختراق الدولة التى تمثل القوة الثانية فى العالم فى ذلك الوقت , فهل من العسير على تلك القوة التى اخترقتها أن تخترق دولنا العربية والاسلامية الهشة بنفس الأسلوب ؟

وإذا كانت قد اخترقتها بالفعل , فإلى أى مستوى من المسؤولين قد وصلوا ؟

هل استطاعوا أن يصلوا فى بعض بلادنا إلى مستوى رئيس الدولة مثلاً ؟

وبعد إعمال العقل وطول الفكر والجهد والاجتهاد , أرجع إلى نفسى فأقول : إن أفضل من يستطيع الاجابة على هذه التساؤلات هم المسؤولون الأفذاذ أنفسهم وكبار موظفى الدولة الذين وظّفوها لخدمة من وظّفوهم , وهم قد أجابوا عليها بأفعالهم الشاهدة عليهم والتى يراها كل ذى بصيرة , ومن هنا كانت الثورة !

وكما بدأت مقالى بقصة , أختمها أيضاً بقصةٍ نتعرف من خلالها على " مواصفات المسؤول المثالى " كما أرادوهم فى فى بلادنا سأتركها بدون تعليق ..

إنها قصةٌ سمعتها بنفسى من الأستاذ الدكتور/ مصطفى هلال أستاذ إدارة الأعمال بجامعة القاهرة عندما كان عندنا فى أسيوط فى العام 2003  لتدريسنا - نحن أعضاء جمعية المصدرين بأسيوط - دورة متخصصة فى التسويق وكيفية التصدير بعد دراسة الأسواق المستهدفة , حيث كان يعمل - بالاضافة إلى عمله كأستاذ جامعى - فى مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصرى الذى كان يرأسه فى ذلك الوقت د/ عاطف عبيد.

عاطف عبيد

قَصَّ علينا سيادته أنه ذات مرةٍ كان حاضراً لاجتماعٍ ضم المجموعة الاقتصادية من الوزراء , وكان وقتها الدكتور / يوسف بطرس غالى وزيراً للتجارة , وعُرض أمامه فى ذلك الاجتماع موضوع هام عن طلب من أحد المستثمرين الألمان الذى كان متخصصاً فى صناعة الأدوات والمهمات الكتابية , حيث أراد أن يحصل على قطعة أرضٍ فى إحدى المناطق الصناعية لتخصيصها لاقامة مصنع لانتاج هذه المنتجات داخل مصر , حيث لم تكن تُنتج فى مصر من قبل.

وقد كان ذلك المستثمر يقوم بتصنيع حوالى تسعين منتج متنوع فى بلاده , وأراد أن يستفيد من الأيدى العاملة الرخيصة فى مصر , فقدم مشروعه شاملاً التعهد بتصنيع ستة منتجات منها بالكامل داخل مصر وبقية المنتجات يتم تصنيعها جزئياً , على أن يغطى انتاج المصنع السوق المصرى ومن ثم التصدير إلى دول المنطقة , وقد تعهد بأن يتم تشغيل مئات من العاملين المصريين.

وقد كانت لذلك المشروع العديد من الفوائد العظيمة - من وجهة نظرى - وهى :

1- تشغيل أيدى عاملة مصرية كانت عاطلة عن العمل.

2- تصنيع منتجات جديدة لم تكن تُنتج فى مصر من قبل , وتدريب العمالة المصرية على انتاجها بأعلى مواصفات الجودة العالمية.

3- نقل تكنولوجيا جديدة , مصر فى أمسّ الحاجة إليها كدولةٍ نامية.

4- التصدير إلى دول المنطقة , مما يعنى فتح أسواق جديدة أمام السلع المصرية وبالتالى زيادة العوائد الاقتصادية وإيرادات الدولة.

5- فتح الأبواب للمزيد من المستثمرين الجادين وجذب المزيد من رؤوس الأموال إلى مصروالتى تمثل أحد أعمدة إقتصاد الدول فى عصرنا الحديث.

لقد كان مشروعاً مبشراً بالخير بكل المقاييس , ولكن ظل أستاذنا الدكتور مصطفى - الذى استبشر مثلنا - منتظراً ما سيسفر عنه الاتفاق , فانتظر شهراً , وامتد الشهر شهوراً دون أن يسمع خبراً واحداً يُثلج صدره أو حتى أية معلومة تمتُّ للأمر بصلةٍ قريبةٍ أو بعيدة.

ولما طال انتظاره ذهب وسأل الدكتور / غالى عن الأمر وعن ماذا أسفر .. فأجابه بالاجابة الصاعقة ..

لقد بحثنا الأمر جيداً .. فوجدنا أنه يتعارض مع مصلحة بعض المستوردين الكبار فى البلد .. فصرفنا النظر عنه.

هناك 4 تعليقات:

  1. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    اذا كنت تتسائل إلى أي مدى تم اختراق انظمة الدول العربية ، فأنا أتصور إلى أبعد مدى .
    و أما عن القصة الثانية ، فسوف أقتبس من د/محمد أبو زيد الفقى تعبيرا قاله فى أحد مقابلاته " من كانوا يحكمون ، كانوا بحكمون للتخريب لا للتطوير" و لكن أملنا فيما هو قادم إن شاء الله .
    و هذه الحلقة للد/ محمد تنطوى على العديد من الأمثلة المشابهه للقصة الثانية ، إذا أردت مشاهدتها فإليك الرابط
    http://cutt.us/bma
    جزاك الله خيراً على الموضوع ، شكرا لك

    ردحذف
  2. أختى الفاضلة ريهام
    أشكرك على متابعتك وتعليقاتك القيمةوما تحويها من معلومات وفوائد.
    ولقد قرأت الكثير من تعيلقاتك الرائعة فى عدة مدونات , إن دلت على شىء , فإنما تدل على شخصية واسعة الإطلاع وتتصف بالإخلاص فى الاهتمام بقضايا الأمة , ولا أزكيك على الله.
    أشكرك مرة أخرى , وجزاك الله خيراً

    ردحذف
  3. مؤلمة هي القصتان معا ، تبرز واقع عالمنا العربي المرير ، هناك في قرارات نفسي لا ارى املا ، لكن لما انظر الى ثورات تونس و مصر اشعر ان امرا ما قد يحصل في بلدي قد يغير اللعبة من جديد ... نأمل خيرا لعلنا نجده

    ردحذف
  4. على الرغم من أن الحقيقة قد تكون مؤلمة فى كثيرٍ من الأحيان , إلا أن قيام ثورات الربيع العربى كان أمراً لا بد منه للخروج من تحت قبضة من خانوا الوطن وباعوه لمن يدفع لهم أكثر.

    أخى عبد الحفيظ .. فلنسأل الله أن يحفظ بلادنا وينجيها من أمثال هؤلاء الحكام والمسؤولين.

    ردحذف

ليس أجمل من زيارتكم الكريمة .. سوى تفضلكم بالتعليق ..
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. بالعمل لما فيه رضاه.